فصل: المتابعة وقبول العمل

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: مجموع فتاوى ورسائل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين **


محمد بن صالح العثيمين

المتابعة وقبول العمل

مجموع فتاوى ورسائل - 7

بسم الله الرحمن الرحيم

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له‏.‏

{‏يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون‏}‏ ‏{‏يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبًا‏}‏ ‏.‏

{‏يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا ‏.‏ يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا‏}‏ ‏.‏

أما بعد‏:‏

فإن أصدق الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار، أيها المؤمنون إنه يسرني في هذه الليلة أن يكون اللقاء بكم في بيت من بيوت الله عز وجل ولا ريب أن أهل العلم يؤدون ما وجب عليهم في مثل هذه اللقاءات ولكني أحببت أن أدلي بدلوي وأشاركهم فيما يحصل في هذه اللقاءات التي أرجو الله تعالى أن تكون مباركة‏.‏

أيها الإخوة استمعنا إلى هذه الآيات الكريمة‏:‏ ‏{‏يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون‏}‏ وتوجيه الله الخطاب لنا بهذا الوصف يا أيها الذين آمنوا يدل على أن بعده من مقتضيات الإيمان وأن كل مؤمن فلابد أن يكون قائمًا بما يلقى إليه بعد هذا النداء بهذا الوصف العظيم ويدل دلالة أخرى على أن مخالفة ما يأتي بعده تكون نقصًا في الإيمان وإلا لما علق الحكم بهذا الوصف ولهذا قال ابن مسعود رضي الله عنه‏:‏

إذا سمعت الله يقول ‏:‏ يا أيها الذين آمنوا فأرعها سمعك فإما خير تؤمر به وإما شر تنهى عنه وإن توجيه الخطاب إلينا بلفظ النداء ‏{‏يا أيها الذين آمنوا‏}‏ دليل على أن هذا أمر ينبغي أن ننتبه له، لأن النداء من أدوات التنبيه ‏{‏اتقوا الله حق تقاته‏}‏ التقوى من أجمع ما قيل فيها وأحسنه ما روي عن طلق بن حبيب رحمه الله قال‏:‏ التقوى أن تعمل بطاعة الله على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك ما نهى الله على نور من الله تخشى عقاب الله‏.‏

وهذا أجمع ما قيل في التقوى وهذا التعريف يتضمن أن التقوى أن تعمل بطاعة الله على علم لا عن جهل، لأن الذي يعمل بطاعة الله عن جهل، قد يفسد أكثر مما يصلح، ولكن إذا كان على نور من الله على علم كان على بصيرة من أمره، ويتضمن هذا التعريف أن القائم بطاعة الله يقوم بها وهو مؤمن بالثواب الذي جعله الله تعالى على هذه الطاعة، ولهذا قال‏:‏ ترجو ثواب الله‏.‏ وهذا يتضمن الإيمان باليوم الآخر والجزاء على الأعمال، وأن تترك ما نهى الله على نور من الله تخشى عقاب الله‏.‏

يعني تترك ما نهى الله عن علم بأن الله نهاك عن هذا الشيء لا عن عدم رغبة فيه أو عن جهل في هذا الأمر، لأنك إنما تتركه تخشى عقاب الله كثير منا يترك الربا يترك الزنى ، يترك الفواحش، لكن ليس على باله أنه تركها لله فيفوته بذلك خير كثير‏.‏ لكن إذا كان على باله أنه إنما تركها لله عز وجل

نال بذلك أجرًا، ولهذا جاء في الحديث الصحيح ‏(‏أن من هم بالسيئة فلم يعملها كتبت حسنة كاملة‏)‏‏.‏

قال الله عز وجل في الحديث القدسي‏:‏ ‏(‏لأنه إنما تركها من جراي‏)‏‏.‏ أي من أجلي ‏.‏

وسمي هذا تقوى لأنه وقاية من عذاب الله عز وجل يقيك من عذاب الله الذي توعد به الكافرين، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏واتقوا النار التي أعدت للكافرين‏.‏ وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون‏}‏ ، وفي قوله تعالى‏:‏ ‏{‏اتقوا الله حق تقاته‏}‏ يعني الحق الذي يجب لله عز وجل عليكم ولكن بقدر الاستطاعة كما قال الله تعالى في آية البقرة‏:‏ ‏{‏لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت‏}‏ ، فما لا يدخل تحت الوسع فإن الإنسان لا يكلف به رحمة من الله عز وجل وإحسانًا إلى عباده ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون‏}‏ يعني لا تموتن إلا على هذه الحال وهي الإسلام لله عز وجل ظاهرًا وباطنًا‏.‏ بقلوبكم وجوارحكم والنهي عن الموت إلا على الإسلام يستلزم أن نكون دائمًا على الإسلام، لأن الإنسان لا يدري متى يفجأ الموت، وكم من إنسان قد مد حبال الأمل طويلًا وكان الموت إليه قريبًا ، كان أبو بكر رضي الله عنه يتمثل دائمًا بقول‏:‏

كل أمرئ مصبح في أهله ** والموت أدنى من شراك نعله

فإذا كان الله يقول ‏:‏ ‏{‏ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ‏(‏فمعناه أنه يجب علينا أن نكون دائمًا على هذا الوصف‏.‏ لأننا لا ندري متي نموت‏.‏

أما الآية الثانية، أمر الله تعالى فيها بالتقوى موجهًا الخطا ب إلى عموم الناس‏:‏ ‏{‏يا أيها الناس اتقوا ربكم‏}‏‏.‏

وقد قال علماء التفسير‏:‏ إن الغالب في السور المكية بل في الآيات المكية أن يوجه النداء فيها إلى الناس عمومًا بخلاف النداء في الآيات المدنية فإن النداء يكون فيها موجهًا للمؤمنين ‏{‏يا أيها الذين آمنوا‏}‏، وهذه من العلامات الفارقة بين السور المكية والسور المدنية لكنها ليست دائمًا إذ قد وجد في سورة البقرة وهي مدنية ‏{‏يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم‏}‏ المهم أن الله يقول‏:‏ ‏{‏يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة‏}‏ ما هذه النفس هل المراد بالنفس الجنس أو المراد بالنفس العين إن قلنا ‏:‏ المراد بالنفس العين فهو آدم ولهذا قال‏:‏ ‏{‏وخلق منها زوجها‏}‏ ‏.‏

وإذا قلنا ‏:‏المراد بالنفس الجنس كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولًا من أنفسهم‏}‏ صار المعنى أننا بني آدم كلنا جنس واحد لا يختلف أحدنا عن الآخر وأيًا كان فإن الله تعالى يأمرنا بتقواه منبهًا على أنه يجب ألا يتقى إلا الله لأنه هو الذي خلقنا‏.‏

{‏واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام‏}‏ ما معنى تساءلون به والأرحام أي تسأل الإنسان بالله، تقول ‏:‏ أسألك بالله كذا وكذا، والأرحام كانوا في الجاهلية يتساءلون بالأرحام فيقول ‏:‏ أسألك بالرحم التي بيني وبينك والقرابة والصلة أن لا تتسلط علي أو ما أشبه ذلك‏.‏ ‏{‏إن الله كان عليكم رقيبًا‏}‏ وعلى قراءة النصب ‏(‏والأرحام‏)‏ يكون المعنى أن تتقي الأرحام فتقوم بما يلزم لها، من الصلة إن الله كان عليكم رقيبًا، أما في الآية الثالثة فإن الله يقول‏:‏ ‏{‏يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا‏}‏، اتقوا الله تعالى بجوارحكم وقولوا قولًا سديدًا أي صوابًا‏.‏

{‏يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم‏}‏ فكل من قال قولًا سديدًا مع التقوى حصل له هذان الأمران، إصلاح الأعمال ومغفرة الذنوب، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا‏.‏

أيها الإخوة الكرام ‏:‏ إنه من المعلوم لنا جميعًا أن الله عز وجل خلقنا من عدم كما قال تعالى ‏:‏ ‏{‏هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئًا مذكورًا‏}‏ ، وأن مآلنا إلى الفناء كما قال الله عز وجل ‏:‏ ‏{‏كل من عليها فان‏}‏ ‏.‏ وأن بقاءنا في هذه الدنيا يمر سريعًا ويذهب جميعًا ‏{‏كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها‏}‏ كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار ، وقس هذا الأمر بما مضى من حياتك الذي مضى من حياة الإنسان سواء طال به الزمن أم قصر، كأنه لم يمض كأنه في الحال التي هو عليها الآن‏.‏ نحن الآن منا من له عشرون سنة، ومنا من له أربعون، ومنا من له ستون ومنا من له فوق ذلك، هذه المدة التي ذهبت كأنها ساعة وقس ما يستقبل من دنياك على ما مضى منها، وحينئذ وبهذه النظرة الثاقبة، يجب علينا أن ننتهز فرص العمر يجب علينا ألا تمضي ساعة من ساعات أوقاتنا إلا ونحن نعرف ماذا عملنا فيها، وماذا حصل من تفريط حتى نتداركه بالتوبة إلى الله عز وجل وإنني أذكر نفسي وإياكم بهذه الحكمة العظيمة التي قال الله فيها ‏:‏ ‏{‏وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون‏}‏ ، ما خلق الله الجن والإنس للتمتع في الدنيا والترف وجمع المال والأولاد والزوجات ولكن لشيء واحد وهو عبادة الله، غير الجن والإنس لأي شيء خلقوا‏؟‏ للإنسان ‏.‏ ‏{‏هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعًا‏}‏{‏وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعًا منه‏}‏ ‏.‏

إذًا المعادلة خلق ما في الأرض لنا، وخلقنا لعبادة الله وحينئذ فإن من العقل أن نستخدم ما خلق لنا ليكون عونًا لنا على ما خلقنا له وهو طاعة الله عز وجل كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله قال‏:‏

ينبغي للإنسان أن يجعل المال بمنزلة الحمار الذي يركبه أو بمنزلة الحش الذي يقضي فيه حاجته، الحش الحمام الذي يقضي فيه الإنسان حاجته‏.‏ يعني لا تجعله هو الغاية المال لكن اجعله موضع قضاء حاجتك‏.‏

لأن المال سوف يزول عنك أو تزول عنه، لا يمكن أن يخلد لك ولا يمكن أن تخلد له بل لابد من المفارقة، إما منك أو من المال، وحينئذ فما مقتضى العقل السليم، أن يجعله الإنسان وسيلة، وسيلة ويهتم بالغاية‏.‏

وعلى هذا فإنه ينبغي أن نعرف ما معنى العبادة حتى نكون على بصيرة من أمرنا في معرفة كلام الله عز وجل العبادة أيها الإخوة تطلق على معنيين‏:‏ على التعبد، وعلى المتعبد به، فعلى المعنى الأول يكون معنى العبادة‏:‏ أن يتذلل الإنسان لربه بامتثال أمره واجتناب نهيه محبة له وتعظيمًا‏.‏

فيكون هذا الوصف عائدًا للإنسان العابد أما على المعنى الثاني أن العبادة تطلق على معنى المتعبد به فقد حدها شيخ الإسلام رحمه الله في تعريف من أحسن ما يكون من التعاريف فقال(1)

فالصلاة إذًا عبادة، والزكاة عبادة والصوم عبادة، والحج عبادة لا يريد الله عز وجل منا بهذه العبادات أن يتعبنا فقط ‏{‏ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم‏}‏ ما يريد الله عز وجل أن يحرجنا في هذه العبادات ‏{‏وما جعل عليكم في الدين من حرج‏}‏ وإنما أراد بهذه العبادات أراد بها أن نصل إلى سعادة الدنيا والآخرة‏.‏ وحينئذ نعرف أن هذه العبادات ليست تكليفًا وإشقاقًا علينا‏.‏ وإنما هي لمصلحتنا وسعادتنا في الدنيا والآخرة‏.‏ ولا يمكن أن تستقيم الدنيا إلا بالعبادة ولست أريد بالعبادة مجرد الحقوق الخاصة بالله عز وجل حتى معاملتك مع الناس يمكن أن تتحول إلى عبادة‏.‏ كيف ذلك إذا عاملتهم بمقتضى أمر الله من النصح والبيان امتثالًا لأمر الله عز وجل صارت المعاملة عبادة حتى لو تبيع سلعة على إنسان وتبين ما فيها من عيوب وتصدق فيما تصفها من الصفات المطلوبة صرت الآن متعبدًا لله لأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول ‏:‏ ‏(‏الدين النصيحة قلنا‏:‏ لمن يا رسول الله‏؟‏ قال‏:‏ لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم‏)‏‏.‏

الموظف يؤدي وظيفته أحيانًا يؤديها من أجل الراتب‏.‏ وأحيانًا يؤديها من أجل القيام بالعمل الذي به صلاح الناس فعلى الأول يكون عادة لا عبادة، لكن على الثاني يكون عبادة ولا يفوته الراتب‏.‏

انظر كيف أن النية تجعل العادة عبادة ، وربما يحول الإنسان عبادته إلى عادة مع الغفلة كما لو كان يذهب يصلي لأنه اعتاد أن يتوضأ ويذهب ويصلي لكن ما يشعر حينئذ أنه يذهب امتثالًا لأمر الله عز وجل واتباعًا لرسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وحينئذ يفوته خير كثير ولهذا قيل ‏:‏ ‏(2)‏ كل ذلك من أجل النية‏.‏

قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه وقد عاده في حجة الوداع وهو مريض وخاف رضي الله عنه أن يموت في مكة وقد هاجر منها، فقال‏:‏ يا رسول الله‏:‏ إني ذو مال ولا يرثني إلا ابنة لي، أفأتصدق بثلثي مالي‏؟‏ قال‏:‏ لا‏.‏ قال‏:‏ فالشطر قال‏:‏ لا‏.‏ قال‏:‏ فالثلث قال‏:‏ الثلث والثلث كثير ثم قال وهو محل الشاهد‏:‏ ‏(‏إنك إن تذر ورثتك أغنياء خيرمن أن تذرهم عالة يتكففون الناس‏)‏ فأثبت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ الخير لرجل ترك الوصية من أجل أن يبقي المال لورثته المحتاجين ، ‏(‏إنك أن تذرورثتك أغنياء خيرًا من أن تذرهم عالة يتكففون الناس‏)‏ وقال له ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏:‏ ‏(‏واعلم أنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها حتى ما تجعله في في امرأتك‏)‏‏.‏ لماذا مثل الرسول عليه الصلاة والسلام ما يجعله الإنسان وقال‏:‏ ‏(‏في فيّ امرأتك ‏(‏ما قال حتى ما تجعله في في أبيك، في في أمك، بل قال في في امرأتك‏)‏ لأن المرأة إذًا لم ينفق عليها زوجها طالبت بالفراق وإذا طالبت بالفراق وفارقته بقي بلا زوج إذا فإنفاقه على زوجته كأنما يجر به إلى نفسه نفعًا ‏.‏ ومع ذلك قال له الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏ ‏(‏إنك إذا أنفقت نفقة تبتغي بها وجه الله، حصل لك بها الأجر حتى في هذه النفقة التي تكون معاوضة لأن الإنفاق على الزوجة عوض عن الاستمتاع بها ونيل الشهوة منها‏.‏ ولهذا إذا نشزت الزوجة، فإن نفقتها تسقط‏.‏

الحاصل أيها الإخوة أن النية لها تأثير عظيم في العبادة ولهذا نقول ‏:‏ إن العبادة لا تكون عبادة إلا بشرطين أساسين ، أحدهما‏:‏ الإخلاص لله، والثاني ‏:‏ المتابعة لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏.‏

فأما الإخلاص لله‏.‏ فمعناه ألا يريد الإنسان بهذا التعبد إلا وجه الله والدار الآخرة لا يريد أن ينال مالًا ولا جاهًا ولا أن يسلم من سلطان ولا غير ذلك من أمور الدنيا ما يريد إلا وجه الله والدار الآخرة، وهذا الشرط له أدلة من كلام الله ومن كلام النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فمن الأدلة قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين‏}‏ أي العبادة لله وقال سبحانه وتعالى‏:‏ ‏{‏وما آتيتم من ربًا ليربوا في أموال الناس فلا يربوا عند الله وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون‏}‏ الشاهد قوله ‏:‏ ‏{‏وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله‏}‏ فبين الله عز وجل أن الزكاة لا تقبل إلا إذا أريد بها وجه الله لأنها إذا قبلت ضوعفت وإذا لم تضاعف فمعناها لم تقبل وقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏ ‏(‏إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه‏)‏، فبين النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن الأعمال بالنيات وأن لكل امرئ ما نوى ثم ضرب مثلًا بالهجرة يهاجر رجلان من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام أحدهما هجرته مقبولة والثاني غير مقبولة من كانت هجرته إلى الله ورسوله هجرته مقبولة‏.‏

ومن كانت هجرته للدنيا غير مقبولة‏.‏ هجرته إلى ما هاجر إليه‏.‏ طيب ‏.‏ يصلي رجلان أحدهما يصلي لله عز وجل‏.‏ لا يريد بذلك مالًا ولا جاهًا والثاني يصلي للراتب لأنه جعل راتب للإمام فكان يصلي لأجل الراتب فقط فلا يؤجر على إمامته لأنه صار إمامًا للراتب ولهذا سئل الإمام أحمد رضي الله عنه عن رجل قال‏:‏ لا أصلي بكم رمضان يعني التراويح إلا بكذا وكذا، قال الإمام أحمد ‏:‏ نعوذ بالله من يصلي خلف هذا رجل يقول ‏:‏ ما أصلي بكم إلا بفلوس‏.‏ يقول ‏:‏ من يصلي خلف هذا‏.‏ ولكن قد يقول قائل‏:‏هل معنى ذلك أن الإمام إذا أعطي من بيت المال راتبًا هل يبطل أجره‏؟‏

الجواب‏:‏ لا‏.‏ مادام صار إمامًا للناس لله فما أعطيه من الراتب لا ينقص به الأجر ‏(‏ولهذا لما بعث النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عمر بن الخطاب عاملًا على الزكاة ثم رجع فأعطاه أجرًا على عمله قال‏:‏ يا رسول الله أعطه من هو أحوج إليه مني فقال له النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏:‏ما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه، ومالا فلا تتبعه نفسك‏.‏

الشرط الثاني‏:‏ المتابعة لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بأن يتأسى الإنسان في عبادته بالرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ والدليل على ذلك من كتاب الله ومن سنة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال الله عز وجل‏:‏ -

‏{‏لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر‏}‏{‏قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله‏}‏‏.‏ وقال‏:‏ ‏{‏وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء‏}‏ ، فإن حنفاء بمعنى غير مائلين يمينًا ولا شمالًا‏.‏ هذا هو المتابع ولهذا نجد الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول للناس‏:‏‏(‏صلوا كما رأيتموني أصلي‏)‏ وقال في المناسك‏:‏‏(‏لتأخذوا عني مناسككم‏)‏‏.‏

وتوضأ وقال‏:‏ ‏(‏من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين ثم لم يحدث فيهما نفسه غفر الله له ما تقدم من ذنبه‏)‏‏.‏

ولكن بماذا تتحقق متابعة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏.‏

أقول‏:‏ لا تتحقق المتابعة حتى تكون العبادة موافقة لما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام في أمور ستة ‏:‏ في سببها، وجنسها، وقدرها وصفتها، وزمانها، ومكانها‏.‏

أولًا‏:‏ سببها‏:‏

لابد أن تكون موافقة للشرع في سببها‏.‏ فمن تعبد لله بعبادة وقرنها بسبب لم يجعله الله سببًا فإنها لا تقبل منه مثال ذلك‏:‏ لو أن الإنسان أحدث عبادة مقرونة بسبب لكن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يجعله سببًا بل لكنها ليست بسبب لا في الكتاب ولا في السنة‏.‏ فإنها لا تقبل منه لو كانت هي خيرًا ما دام جعلها مربوطة بسبب لم يجعله الله سببًا لها فإنها لا تقبل منه مثال ذلك‏:‏

لو أن رجلًا صار كلما تمت له سنة ذبح ذبيحة وتصدق بها ذبح الذبائح والتصدق بها، جائز لكن هذا جعل كلما تمت السنة ذبح هذه الذبيحة‏.‏ صارت بدعة لا يؤجر عليها بل يأثم عليها‏.‏ وكذلك لو أحدث احتفالًا بمولد الرسول عليه الصلاة والسلام وقال‏:‏ أنا أحب الرسول وأحدث احتفالًا للصلاة عليه عليه والثناء عليه الصلاة والسلام بما هو أهله ماذا نقول له، نقول له‏:‏ الصلاة على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ خير‏.‏ من صلى على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ صلاة صلى الله بها عليه عشرة‏.‏ كيف تقول ‏:‏ هذه بدعة ‏.‏ لأنها غير مربوطة بهذا السبب أنت صل على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كل وقت ما نمنعك لكن كونك تجعل هذا السبب سببًا للصلاة عليه والثناء عليه واحتفالًا بالمولد فهذا لا يصح ولا تقبل منك‏.‏

الثانى ‏:‏ جنسها‏:‏ أن تكون موافقة للشرع في جنسها، هذا رجل في عيد الأضحى ضحى بشاة من بهيمة الأنعام على الوجه الشرعي بالطبع تقبل أضحيته لأنها شرعية‏.‏ الشاة قيمتها ثلاثمائة ريال فجاء رجل آخر وقال‏:‏ سأضحي بفرس لأن الفرس قيمته ألف ريال والشاة ثلاثمائة ريال فأنا سأضحي بفرس يوم العيد‏.‏

هذه غير صحيحة لماذا لأنها ليست من بهيمة الأنعام فخالفت الشرع في الجنس فلا تقبل‏.‏ يعني لابد أن تكون موافقة للشرع في الجنس‏.‏

الثالث ‏:‏ قدرها‏:‏ أن تكون موافقة للشرع في قدرها ‏(‏مثال‏)‏ رجل قال‏:‏ إن الإنسان إذا صلى الظهر أربعًا كل ركعة فيها ركوع وفيها سجودان وأتى بشروطها وأركانها‏.‏ تقبل إن شاء الله لأنه ماشٍ على ما رسم شرعًا‏.‏

لكن آخر قال‏:‏ سأصليها ستًا أزيد‏.‏ الله يقول‏:‏ ‏{‏وتزودوا فإن خير الزاد التقوى‏}‏ لا تقبل بل ترد عليه لأنها خالفت الشرع في قدرها‏.‏ رجل آخر قال‏:‏ الوضوء ثلاثًا سنة لكنه توضأ أربعًا‏.‏ الغسلة الرابعة لا تقبل لأنها صارت على خلاف الشرع‏.‏

الرابع ‏:‏ صفتها‏:‏ أن تكون موافقة للشرع في صفتها‏:‏ كيف يتوضأ الإنسان ‏؟‏ ‏.‏

يبدأ بغسل الكفين ثم الوجه ثم اليدين ثم مسح الرأس ثم غسل الرجلين هكذا الترتيب لكن هذا الرجل عكس فبدأ يغسل الرجلين ثم يمسح الرأس ثم يغسل اليدين ثم يغسل الوجه إن عبادته هذه غير مقبولة لأنها خالفت الشرع في صفتها وكيفيتها‏.‏

الخامس ‏:‏ زمانها‏:‏ أن تكون موافقة للشرع في زمانها‏.‏

لو أن رجلًا في عيد الأضحى أصبح فذبح أضحيته قبل الصلاة وأكل منها وذهب وصلى‏.‏ لا تقبل هذه الأضحية‏.‏ لأنها ليست في وقت العبادة‏.‏

الأضحية ما تكون إلا بعد صلاة الإمام‏.‏

مثال آخر‏:‏ رجل تعمد ألا يصلي الظهر إلا بعد دخول وقت العصر بدون عذر‏.‏ لا تقبل لأنها مخالفة للشرع في وقتها‏.‏ أو في زمانها‏.‏

السادس ‏:‏ مكانها‏:‏ أن تكون موافقة للشرع في مكانها‏.‏

لو أن رجلًا لما دخل العشر الأخير من رمضان بقي في غرفة من بيته لا يخرج منها وقال‏:‏ أنا معتكف لله ‏.‏ الاعتكاف غير صحيح لمخالفته للشرع في مكان العبادة لأن الاعتكاف في المساجد‏.‏

إذًا أيها الإخوة‏:‏ كل عبادة لا تقبل إلا بشرطين أساسين ‏:‏ أحدهما الإخلاص لله، والثاني المتابعة لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وذكرنا الأدلة لذلك ، وقلنا ‏:‏ إن المتابعة لا تتحقق إلا إذا كانت موافقة للشرع في أمور ستة وهي‏:‏ السبب ، الجنس ،القدر ،الصفة ،الزمان ، المكان‏.‏

وذكرنا أمثلة فيما لا تصح فيه العبادة لمخالفة هذه الأمور أو أحدها‏.‏

ثم اعلم أن أهم ما يتعبد به الإنسان من الأعمال أعمال الجوارح هي الصلاة فالصلاة أوكد من الزكاة وأوكد من الصيام وأوكد من الحج لأن أركان الإسلام كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام خمسة عن ابن عمر رضي الله عنهما قال‏:‏ سمعت الرسول عليه الصلاة والسلام يقول‏:‏ ‏(‏بني الإسلام على خمس ‏:‏ شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلًا ‏.‏‏.‏‏)‏ الشهادتان ركن واحد‏.‏ لأنه لا تتم العبادة إلا بالإخلاص وهي شهادة ألا إله إلا الله والمتابعة وهي شهادة أن محمدًا رسول الله فلهذا جعلهما النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ شيئًا واحدًا‏.‏

الصلاة نحن نعلم جميعًا أن لها أوقاتًا معينة فوقت الفجر من طلوع الفجر الثاني إلى طلوع الشمس هذا وقت الفجر لأن الفجر فجران كاذب وصادق‏.‏

في الأحكام الكاذب ليس له حكم إطلاقًا لا يحرم الطعام على الصائم ولا يبيح الصلاة لمن صلى الفجر، لكن ما الفرق بينهما‏.‏

الفروق بينهما ثلاثة ‏:‏

الفجر الكاذب يظلم الجو بعده، والصادق لا يزداد إلا إسفارًا الفجر الكاذب يكون مستطيلًا‏.‏ والصادق يكون مستطيرًا‏.‏ الفجر الكاذب بينه وبين الأفق ظلمة فهو كالعمود أبيض لكن أسفله مظلم والصادق ليس بينه وبين الأفق ظلمة‏.‏

هذه الفروق ثلاثة فروق طبيعية تشاهد لكننا بواسطة الأنوار ما نشاهد ذلك ، إنما لو كنت في بر وليس حولك أنوار عرفت الفرق، ووقت الظهر من زوال الشمس إلى أن يصير ظل كل شيء مثله‏.‏

وقت العصر من مصير ظل كل شيء مثله إلى اصفرار الشمس والضرورة إلى الغروب‏.‏

وقت المغرب من غروب الشمس إلى مغيب الشفق الأحمر‏.‏

فتارة يكون ساعة ونصف بين المغرب والعشاء وتارة ساعة وثلث وتارة ساعة وسبع عشرة دقيقة يختلف‏.‏

وقت العشاء من مغيب الشفق الأحمر إلى نصف الليل فقط من نصف الليل إلى الفجر ما ليس وقتًا للصلاة ‏.‏ الدليل على هذه الأوقات قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر‏}‏‏.‏ وهذا يدل على أن ما بعد منتصف الليل ليس وقتًا للفرائض وإلا لقال الله ‏:‏ أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى طلوع الشمس فلما قال‏:‏ إلى غسق الليل منتهى ظلمته وأشد ما تكون ظلمة الليل عند منتصفه ويؤيد هذا الحديث الثابت حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال‏:‏ ‏(‏وقت الظهر إذا زالت الشمس‏.‏ وكان ظل الرجل كطوله ما لم يحن وقت العصر‏.‏ ووقت العصر ما لم تصفر الشمس ووقت صلاة المغرب إلى مغيب الشفق ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل ووقت صلاة الفجر ما لم تطلع الشمس‏)‏ واضح‏.‏ الرسول قال‏:‏ وقت العشاء إلى نصف الليل وقد يقول قائل منكم ‏:‏ أنت ذكرت أن العصر إلى الغروب والرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول ‏:‏ ما لم تصفر الشمس من أين أتيت بالوقت الإضافي هذا‏؟‏ ، أقول ‏:‏ أتيت به من قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الحديث الصحيح ‏:‏ ‏(‏من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر‏)‏ وينبني على هذا مسألة مهمة لو أن امرأة من النساء طهرت من حيضها بعد منتصف الليل وقبل طلوع الفجر لا يجب عليها قضاء العشاء‏.‏

لأنها طهرت بعد انتهاء الوقت كما أنها لو طهرت الضحى لم تلزمها صلاة الفجر‏.‏

الزوال علامته زيادة الظل بعد تناهي قصره‏.‏ إذا طلعت الشمس اركز عصًا ‏.‏ له ظل كلما ارتفعت الشمس قصر الظل فإذا انتهى قصره وبدأ يزيد هذا هو علامة زوال الشمس لأنها زالت يعني انصرفت عن كبد السماء‏.‏ أما بالنسبة للضبط بالساعات فاقسم ما بين طلوع الشمس إلى غروبها نصفين والنصف هذا هو وقت الزوال‏.‏

لو أن رجلًا صلى إحدى الصلوات بعد خروج وقتها وهو متعمد بدون عذر لا تقبل ولهذا كان القول الراجح أن الإنسان إذا كان في أول عمره لا يصلي ثم من الله عليه بالهداية وتاب إلى الله فإنه لا يلزمه قضاء ما مضى من صلاته‏.‏ وإنما عليه أن يتوب إلى الله‏.‏ وكذلك لو أن رجلًا من الناس ترك صيام يوم من رمضان متعمدًا يعني قال‏:‏ إنه لن يصوم غدًا فهو بلا شك آثم ولا يلزمه قضاؤه، قد يقول قائل ‏:‏ كيف تقول ‏:‏ لا يلزمه القضاء هذا تخفيف عليه‏.‏ فجوابي على هذا أنه ليس تخفيفًا عليه بل هو تشديد عليه لأن معنى قولي هذا أنه لا يلزمه قضاء الصلاة التي تعمد فعلها بعد الوقت معناه رفضها وعدم قبولها‏.‏ وأنها لا تقبل منه لو صلى ألف مرة كذلك لو ترك يومًا من رمضان لم يصمه متعمدًا بلا عذر شرعي فإنه لا يقبل منه قضاؤه مدى الدهر‏.‏ وهذا يوجب للإنسان أن يخاف وأن يتوب ويرجع للوراء أكثر‏.‏

ومن المهم في الصلاة أن يعرف الإنسان ما يلزم لها قبلها ، وأوكد ما يلزم لها قبلها الطهارة ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏(‏لا صلاة بغير طهور‏)‏ ‏.‏

الطهور بالفتح هو ما يتطهر به‏.‏ والطهور بالضم هو فعل الطهارة‏.‏

وضوء - ووضوء ما الفرق‏؟‏

الوضوء بالفتح‏:‏ الماء الذي يتوضأ به ‏.‏

الوضوء بالضم‏:‏ فعل الوضوء‏.‏

سحور - سحور‏.‏

سحور‏:‏ بالفتح ، أكل السحور‏.‏

السحور بالضم‏:‏ فعل السحور‏.‏ ‏(‏لا يزال الناس بخير ما أخروا السحور‏)‏‏.‏

انتبه أيها الطالب للفرق بين فعول وفعول‏.‏ فعول للآلة التي يفعل بها، وفعول للفعل‏.‏ نحن سكتنا أثناء الأذان من أجل أن نقول مثل ما يقول لقول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏:‏ ‏(‏إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول المؤذن‏)‏ نقول مثل قوله إلا في جملتين فقط وهما حي على الصلاة‏.‏ حي على الفلاح نقول ‏:‏ لا حول ولا قول إلا بالله‏.‏ وفي صلاة الصبح إذا قال‏:‏ الصلاة خير من النوم نقول ‏:‏ الصلاة خير من النوم كما قال ولكن أسأل لماذا لم تقل مثل ما يقول في حي على الصلاة حي على الفلاح‏.‏ لأنه هو يدعونا إذ حي يعني أقبل‏.‏ فلو قلنا نحن‏:‏ حي على الصلاة معناه دعوناه أيضًا ونحن في البيت نتابعه تدعوه للبيت هذا ما يستقيم ولهذا كان المشروع في حقنا أن نقول ‏:‏ لا حول ولا قوة إلا بالله‏.‏ وما معنى لا حول ولا قوة إلا بالله‏.‏ معناها للاستعانة كأنك تقول في جواب المؤذن ‏:‏ سمعنا وأطعنا ولكننا نسأل الله العون وتقول إذا قال‏:‏ أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدًا رسول الله، مثل ما يقول ثم تقول بعد ذلك ‏:‏ رضيت بالله ربًا وبمحمد رسولًا وبالإسلام دينًا ‏.‏ هذا هو محل ذلك يعني قول الإنسان رضيت بالله ربًا بعد الشهادتين وبعد انتهاء الأذان تقول ‏:‏ اللهم صل على محمد اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدًا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته إنك لا تخلف الميعاد وإذا قلت ذلك فإنها تحل لك الشفاعة شفاعة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم ممن يدخلون في شفاعته‏.‏

أحببت أن أنبه على هذا لأن بعض الناس يتهاونون في متابعة المؤذن مع أن بعض أهل العلم قال‏:‏ إن متابعة المؤذن واجبة وإن من لم يتابعه فهو آثم‏.‏ فمتابعة المؤذن سُنة مؤكدة لا ينبغي للإنسان أن يدعها‏.‏

وهنا مسائل‏:‏

1‏.‏ 1‏.‏ إذا كان يقرأ القرآن هل يدع القراءة ويتابع المؤذن‏؟‏ نعم، يقطع القراءة ويتابع المؤذن‏.‏

2‏.‏ 2‏.‏ إذا دخلت المسجد وهو يؤذن هل تصلي تحية المسجد أو تقف وتتابع المؤذن ثم تصلي‏؟‏ الثاني إلا أن بعض أهل العلم قال‏:‏ يستثنى من ذلك أذان الجمعة الثاني فإن الأفضل أن تصلي الركعتين لأجل أن تتفرغ لاستماع الخطبة‏.‏ قلت ‏:‏ من أهم ما يكون للصلاة الطهارة لقول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏.‏‏:‏‏(‏لا صلاة بغير طهور‏)‏ والطهارة ثلاثة أنواع‏:‏طهارة من الحدث الأصغر، طهارة من الحدث الأكبر وطهارة بالتيمم عنهما جميعًا‏.‏ أما الحدث الأصغر فيطهّر أربعة أعضاء الوجه، اليدان، الرأس ، الرجلان‏.‏ الوجه يجب أن يغسل من الأذن إلى الأذن عرضًا ومن منحنى الجبهة إلى أسفل اللحية طولًا، ومنه المضمضة والاستنشاق واليدان يجب أن تغسلا من أطراف الأصابع إلى المرفقين والمرفقان داخلان في الغسل‏.‏ وأما الرأس فيمسح جميع الرأس ومنه الأذنان وأما الرجلان فتغسل الرجل من أطراف الأصابع إلى الكعبين وهما العظمان الناتئان في أسفل الساق ‏.‏ ولكن من رحمة الله عز وجل أن خفف علينا بالنسبة للرجلين لأنهما موضع المشي وتتعرضان لبرودة الأرض وللصعوبة في أيام الشتاء فمن رحمة الله أن شرع لهذه الأمة المسح على الخفين في السنة وقد تواترت الأحاديث عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في المسح على الخفين‏.‏ كما قال الناظم‏:‏

مما تواتر حديث من كذب ** ومن بنى لله بيتًا واحتسب

ورؤية شفاعة والحوض ** ومسح خفين وهذي بعض

المهم أن قوله ‏:‏ ومسح خفين يعني أنه مما تواترت به السنة ولهذا لم يخالف فيه أحد من أهل السنة، فكل أهل السنة والحمد لله مجمعون على المسح على الخفين وإن كانوا يختلفون في بعض الشروط‏.‏

والمهم أنه يجب على كل مسلم ومسلمة قبل أداء العبادة التحقق من شرطين تقدما ونذكرهما لأهميتهما وهما‏:‏

1‏.‏ 1‏.‏ الإخلاص لله‏.‏

2‏.‏ 2‏.‏ المتابعة لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏.‏

وقد تقدم شرح الشرطين على وجه التفصيل فنسأل الله تعالى أن يرزقنا جميعًا الفقه في دينه وأن يجند أرواحنا في سبيله، وأن يجعلنا دعاة إلى جمع شمل الأمة الإسلامية على ما يحب ربنا ويرضى والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وعلى من سار على هديه إلى يوم الدين‏.‏